السيد محمد حسين فضل الله

145

من وحي القرآن

فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ المؤمنين الطائعين بالجنّة ، وَمُنْذِرِينَ الكافرين والعاصين بالنار . وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ الذي يعطي للأشياء حدودها ، وللقضايا مناهجها ، وللمشاكل حلولها ، وللمنازعات والخلافات خطوطها التي يتميز فيها الحق عن الباطل ، فيكون الكتاب هو المنهج الواضح الذي ينهج بالناس إلى الصواب في أمورهم ، والحكم العدل الذي يسير بالمجتمع إلى ساحة العدل في ميزان القضاء ، لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من الحق قبل إنزال الكتاب ، لأنهم كانوا لا يرتكزون في أحكامهم على قاعدة ، مما جعلهم لا يقفون على أساس واضح للوصول إلى النتائج الحاسمة التي تحدد لهم الحق والباطل . وهنا يأتي الكتاب بالحق النازل من اللّه الذي لا يقترب إليه الباطل في عملية اختراق وامتزاج . وهكذا أراد اللّه للحق الرسالي الكتابي أن يكون هو المرجح للناس كافة ، لأنه الذي قرره اللّه ، وما يقرره اللّه رب العالمين لا يجوز لأي إنسان أن يناقشه أو يعارضه أو يتمرد عليه . ولكن المشكلة التي واجهت هذا الحق ، أن نقاط الضعف الإنساني قد اندفعت إليه لتثير حوله الضباب النفسي الذي يغطي الحقيقة ، ويمنع الوضوح ، ويبتعد بالفهم عن منهجه الصحيح ؛ فبدأ الاختلاف في الحق الذي جاء به الكتاب وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ أي : ما اختلف في الحق الذي أنزل الكتاب به إلا الذين آتاهم اللّه الكتاب وأنزله عليهم ليهتدوا به . ولم يكن ذلك عن شبهة أو اجتهاد مختلف ، بل كان ذلك - بعد الوضوح الكامل - مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وهي الأدلة والبراهين الواضحة التي لا مجال فيها لإنكار منكر أو لاعتذار معتذر ، بَغْياً بَيْنَهُمْ مما يمثله البغي من خلفيات نفسية سلبية كالحسد والعداوة الذاتية ، وحب الرئاسة وغيرها مما يجعل الإنسان يحرّف الكلم عن مواضعه ، فيؤوّل ما لا يقبل التأويل ، ويثير الشبهة في ما لا مجال فيه للاشتباه ، ويجتهد في ما لا موقع فيه للاجتهاد على طريقة الاجتهاد في مقابل النص . وهذا هو شأن المنافقين الذين لم يتعمق